فصل: بَابُ الْيَمِينِ فِي الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية (نسخة منقحة)



.بَابُ الْيَمِينِ فِي الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ:

قَالَ: (وَمَنْ قَالَ وَهُوَ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ مَاشِيًا، وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَأَهْرَقَ دَمًا) وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَاجِبَةٍ وَلَا مَقْصُودَةٍ فِي الْأَصْلِ، وَمَذْهَبُنَا مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلِأَنَّ النَّاسَ تَعَارَفُوا إيجَابَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ عَلَيَّ زِيَارَةُ الْبَيْتِ مَاشِيًا فَيَلْزَمُهُ مَاشِيًا، وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَأَهْرَاقَ دَمًا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَنَاسِكِ.
(وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ الْخُرُوجُ أَوْ الذَّهَابُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْتِزَامَ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ.
(وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْحَرَمِ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً) وَلَوْ قَالَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ.
كَمَا أَنَّ الْحَرَمَ شَامِلٌ عَلَى الْبَيْتِ بِالِاتِّصَالِ، وَكَذَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ شَامِلٌ عَلَى الْبَيْتِ فَصَارَ ذِكْرُهُ كَذِكْرِهِ بِخِلَافِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَنَّهُمَا مُنْفَصِلَانِ عَنْهُ.
وَلَهُ أَنَّ الْتِزَامَ الْإِحْرَامِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهُ بِاعْتِبَارِ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ فَامْتَنَعَ أَصْلًا.
الشرح:
بَابُ الْيَمِينِ فِي الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ:
حَدِيثٌ: عَنْ عَلِيٍّ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ: عَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ، قَالَ: عَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ مَاشِيًا، وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَأَهْرَقَ دَمًا قُلْت: غَرِيبٌ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ، فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ: عَلَيْهِ الْمَشْيُ، قَالَ: يَمْشِي، فَإِنْ عَجَزَ رَكِبَ، وَأَهْدَى بَدَنَةً، انْتَهَى.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيٍّ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى الْبَيْتِ، قَالَ: يَمْشِي فَإِذَا أُعْيِيَ رَكِبَ، وَيُهْدِي جَزُورًا. انْتَهَى.
وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ، وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: «مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً إلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، وَنَهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ، وَقَالَ: إنَّ الْمُثْلَةَ أَنْ يَنْذِرَ الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، فَمِنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، فَلْيُهْدِ هَدْيًا، وَلْيَرْكَبْ»، انْتَهَى.
وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ثَنَا هَمَّامٌ ثَنَا قَتَادَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَنِيٌّ عَنْ نَذْرِ أُخْتِك، لِتَرْكَبْ، وَلِتُهْدِ بَدَنَةً»، انْتَهَى.
حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الْبُتَيْرَاءِ: تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ، لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ بَابُ الْيَمِينِ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ بَابُ الْيَمِينِ فِي الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، بَابُ الْيَمِينِ فِي تَقَاضِي الدَّرَاهِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمَنْ قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ إنْ لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ، فَقَالَ حَجَجْت وَشَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُ ضَحَّى الْعَامَ بِالْكُوفَةِ لَمْ يَعْتِقْ عَبْدَهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَعْتِقُ) لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ قَامَتْ عَلَى أَمْرٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ التَّضْحِيَةُ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ انْتِفَاءُ الْحَجِّ فَيَتَحَقَّقُ الشَّرْطُ، وَلَهُمَا أَنَّهَا قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا نَفْيُ الْحَجِّ لَا إثْبَاتُ التَّضْحِيَةِ، لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهَا فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ الْعَامَ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا النَّفْيَ مِمَّا يُحِيطُ عِلْمُ الشَّاهِدِ بِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ نَفْيٍ وَنَفْيٍ تَيْسِيرًا.
(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ فَنَوَى الصَّوْمَ، وَصَامَ سَاعَةً ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ يَوْمِهِ حَنِثَ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ إذْ الصَّوْمُ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ.
(وَلَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ يَوْمًا أَوْ صَوْمًا فَصَامَ سَاعَةً ثُمَّ أَفْطَرَ لَا يَحْنَثُ)، لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الصَّوْمُ التَّامُّ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا، وَذَلِكَ بِإِنْهَائِهِ إلَى آخِرِ الْيَوْمِ، وَالْيَوْمُ صَرِيحٌ فِي تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ بِهِ.
(وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَقَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ سَجَدَ مَعَ ذَلِكَ ثُمَّ قَطَعَ حَنِثَ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ بِالِافْتِتَاحِ اعْتِبَارًا بِالشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الصَّلَاةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَرْكَانِ الْمُخْتَلِفَةِ فَمَا لَمْ يَأْتِ بِجَمِيعِهَا لَا يُسَمَّى صَلَاةً بِخِلَافِ الصَّوْمِ، لِأَنَّهُ رُكْنٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ وَيَتَكَرَّرُ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي.
(وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ لِلنَّهْيِ عَنْ الْبُتَيْرَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.بَابُ الْيَمِينِ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ:

(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ لَبِسْت مِنْ غَزْلِك فَهُوَ هَدْيٌ، فَاشْتَرَى قُطْنًا فَغَزَلَتْهُ وَنَسَجَتْهُ فَلَبِسَهُ فَهُوَ هَدْيٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَالَا: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ حَتَّى تَغْزِلَ مِنْ قُطْنٍ مَلَكَهُ يَوْمَ حَلَفَ) وَمَعْنَى الْهَدْيِ التَّصَدُّقُ بِهِ بِمَكَّةَ، لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَيْهَا، لَهُمَا أَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْمِلْكِ أَوْ مُضَافًا إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ وَلَمْ يُوجَدْ، لِأَنَّ اللُّبْسَ وَغَزْلَ الْمَرْأَةِ لَيْسَا مِنْ أَسْبَابِ مِلْكِهِ، وَلَهُ أَنَّ غَزْلَ الْمَرْأَةِ عَادَةً يَكُونُ مِنْ قُطْنِ الزَّوْجِ، وَالْمُعْتَادُ هُوَ الْمُرَادُ وَذَلِكَ سَبَبٌ لِمِلْكِهِ، وَلِهَذَا يَحْنَثُ إذَا غَزَلَتْ مِنْ قُطْنٍ مَمْلُوكٍ لَهُ وَقْتَ النَّذْرِ، لِأَنَّ الْقُطْنَ لَمْ يَصِرْ مَذْكُورًا.
(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا فَلَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ لَمْ يَحْنَثْ)، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُلِيٍّ عُرْفًا وَلَا شَرْعًا حَتَّى أُبِيحَ اسْتِعْمَالُهُ لِلرِّجَالِ وَالتَّخَتُّمُ بِهِ لِقَصْدِ الْخَتْمِ (وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ حَنِثَ) لِأَنَّهُ حُلِيٌّ وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ لِلرِّجَالِ.
(وَلَوْ لَبِسَ عِقْدَ لُؤْلُؤٍ غَيْرَ مُرَصَّعٍ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَا: يَحْنَثُ) لِأَنَّهُ حُلِيٌّ حَقِيقَةً حَتَّى سَمَّى بِهِ الْقُرْآنُ، وَلَهُ أَنَّهُ يُتَحَلَّى بِهِ عُرْفًا إلَّا مُرَصَّعًا وَمَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ، وَقِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، وَيُفْتَى بِقَوْلِهِمَا، لِأَنَّ التَّحَلِّيَ بِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ مُعْتَادٌ.
(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَنَامَ عَلَيْهِ وَفَوْقَهُ قِرَامٌ حَنِثَ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْفِرَاشِ فَيُعَدُّ نَائِمًا عَلَيْهِ (وَإِنْ جَعَلَ فَوْقَهُ فِرَاشًا آخَرَ نَامَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ تَبَعًا لَهُ فَقَطَعَ النِّسْبَةَ عَنْ الْأَوَّلِ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطِ أَوْ حَصِيرٍ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ لِبَاسُهُ، لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ فَلَا يُعْتَبَرُ حَائِلًا.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرٍ فَجَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ فَوْقَهُ بِسَاطٌ أَوْ حَصِيرٌ حَنِثَ) لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا عَلَيْهِ، وَالْجُلُوسُ عَلَى السَّرِيرِ فِي الْعَادَةِ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَعَلَ فَوْقَهُ سَرِيرًا آخَرَ، لِأَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ فَقَطَعَ النِّسْبَةَ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

.بَابُ الْيَمِينِ فِي الْقَتْلِ وَالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ:

(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: إنْ ضَرَبْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ فَمَاتَ فَضَرَبَهُ فَهُوَ عَلَى الْحَيَاةِ) لِأَنَّ الضَّرْبَ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُؤْلِمٍ يَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ، وَالْإِيلَامُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَيِّتِ، وَمَنْ يُعَذَّبُ فِي الْقَبْرِ تُوضَعُ فِيهِ الْحَيَاةُ فِي قَوْلِ الْعَامَّةِ، وَكَذَلِكَ الْكِسْوَةُ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَمِنْهُ الْكِسْوَةُ فِي الْكَفَّارَةِ وَهُوَ مِنْ الْمَيِّتِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ السِّتْرَ، وَقِيلَ بِالْفَارِسِيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى اللُّبْسِ (وَكَذَا الْكَلَامُ وَالدُّخُولُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ الْإِفْهَامُ وَالْمَوْتُ يُنَافِيهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ زِيَارَتُهُ وَبَعْدَ الْمَوْتِ يُزَارُ قَبْرُهُ لَا هُوَ.
(وَلَوْ قَالَ إنْ غَسَّلْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ فَغَسَّلَهُ بَعْدَمَا مَاتَ يَحْنَثُ) لِأَنَّ الْغُسْلَ هُوَ الْإِسَالَةُ وَمَعْنَاهُ: التَّطْهِيرُ، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْمَيِّتِ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ فَشَدَّ شَعْرَهَا أَوْ خَنَقَهَا أَوْ عَضَّهَا حَنِثَ) لِأَنَّهُ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُؤْلِمٍ وَقَدْ تَحَقَّقَ الْإِيلَامُ، وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ فِي حَالِ الْمُلَاعَبَةِ، لِأَنَّهُ يُسَمَّى مُمَازَحَةً لَا ضَرْبًا (وَمَنْ قَالَ إنْ لَمْ أَقْتُلْ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ، وَفُلَانٌ مَيِّتٌ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ حَنِثَ) لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى حَيَاةٍ يُحْدِثُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، وَهُوَ مُتَصَوَّرٌ فَيَنْعَقِدُ ثُمَّ يَحْنَثُ لِلْعَجْزِ الْعَادِي (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَا يَحْنَثُ)، لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى حَيَاةٍ كَانَتْ فِيهِ وَلَا تُتَصَوَّرُ فَيَصِيرُ قِيَاسُ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَلَيْسَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلُ الْعِلْمِ هُوَ الصَّحِيحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
بَابُ الْيَمِينِ فِي تَقَاضِي الدَّرَاهِمِ قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ إلَى قَرِيبٍ فَهُوَ عَلَى مَا دُونَ الشَّهْرِ، وَإِنْ قَالَ إلَى بَعِيدٍ فَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ) لِأَنَّ مَا دُونَهُ يُعَدُّ قَرِيبًا، وَالشَّهْرُ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يُعَدُّ بَعِيدًا، وَلِهَذَا يُقَالُ عِنْدَ بُعْدِ الْعَهْدِ مَا لَقِيتُك مُنْذُ شَهْرٍ.
(وَمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا دَيْنَهُ الْيَوْمَ فَقَضَاهُ، ثُمَّ وَجَدَ فُلَانٌ بَعْضَهَا زُيُوفًا أَوْ بَهْرَجَةً أَوْ مُسْتَحَقَّةً لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ) لِأَنَّ الزِّيَافَةَ عَيْبٌ وَالْعَيْبُ لَا يُعْدِمُ الْجِنْسَ، وَلِهَذَا لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا فَوُجِدَ شَرْطُ الْبَرِّ وَقَبْضُ الْمُسْتَحَقَّةِ صَحِيحٌ، وَلَا يَرْتَفِعُ بِرَدِّهِ الْبَرُّ الْمُتَحَقِّقُ.
(وَإِنْ وَجَدَهَا رَصَاصًا أَوْ سَتُّوقَةً حَنِثَ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، حَتَّى لَا يَجُوزُ التَّجَوُّزُ بِهِمَا فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ.
(وَإِنْ بَاعَهُ بِهَا عَبْدًا وَقَبَضَهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ)، لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ طَرِيقَةُ الْمُقَاصَّةِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ فَكَأَنَّهُ شَرَطَ الْقَبْضَ لِيَتَقَرَّرَ بِهِ (وَإِنْ وَهَبَهَا لَهُ) يَعْنِي الدَّيْنَ (لَمْ يَبَرَّ) لِعَدَمِ الْمُقَاصَّةِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلُهُ وَالْهِبَةَ إسْقَاطٌ مِنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ.
(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَقْبِضُ دَيْنَهُ دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ قَبَضَ بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَقْبِضَ جَمِيعَهُ مُتَفَرِّقًا) لِأَنَّ الشَّرْطَ قَبْضُ الْكُلِّ لَكِنَّهُ بِوَصْفِ التَّفَرُّقِ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ أَضَافَ الْقَبْضَ إلَى دَيْنٍ مُعَرَّفٍ مُضَافٍ إلَيْهِ فَيَنْصَرِفُ إلَى كُلِّهِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِهِ.
(فَإِنْ قَبَضَ دَيْنَهُ فِي وَزَنَيْنَ، وَلَمْ يَتَشَاغَلْ بَيْنَهُمَا إلَّا بِعَمَلِ الْوَزْنِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَفْرِيقٍ) لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ قَبْضُ الْكُلِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً عَادَةً، فَيَصِيرُ هَذَا الْقَدْرُ مُسْتَثْنًى عَنْهُ (وَمَنْ قَالَ: إنْ كَانَ لِي إلَّا مِائَةُ دِرْهَمٍ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَلَمْ يَمْلِكْ إلَّا خَمْسِينَ دِرْهَمًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ عُرْفًا نَفْيُ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ، وَلِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمِائَةِ اسْتِثْنَاؤُهَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا (وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ غَيْرُ مِائَةٍ أَوْ سِوَى مِائَةٍ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ أَدَاةُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ:
(وَإِذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا تَرَكَهُ أَبَدًا)، لِأَنَّهُ نَفَى الْفِعْلَ مُطْلَقًا، فَعَمَّ الِامْتِنَاعُ ضَرُورَةَ عُمُومِ النَّفْيِ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا فَفَعَلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً بَرَّ فِي يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْمُلْتَزَمَ فِعْلٌ وَاحِدٌ غَيْرُ عَيْنٍ، إذْ الْمَقَامُ مَقَامُ الْإِثْبَاتِ فَيَبَرُّ بِأَيِّ فِعْلٍ فَعَلَهُ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِوُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْهُ، وَذَلِكَ بِمَوْتِهِ أَوْ بِفَوْتِ مَحَلِّ الْفِعْلِ.
(وَإِذَا اسْتَحْلَفَ الْوَالِي رَجُلًا لَيُعْلِمَنَّهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ دَخَلَ الْبَلَدَ فَهَذَا عَلَى حَالِ وِلَايَتِهِ خَاصَّةً) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ دَفْعُ شَرِّهِ أَوْ شَرِّ غَيْرِهِ بِزَجْرِهِ، فَلَا يُفِيدُ فَائِدَتَهُ بَعْدَ زَوَالِ سَلْطَنَتِهِ، وَالزَّوَالُ بِالْمَوْتِ وَكَذَا بِالْعَزْلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (وَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَهَبَ عَبْدَهُ لِفُلَانٍ فَوَهَبَهُ وَلَمْ يَقْبَلْ فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ) خِلَافًا لِزُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُهُ بِالْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مِثْلِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَيَتِمُّ بِالْمُتَبَرَّعِ، وَلِهَذَا يُقَالُ وَهَبَ وَلَمْ يَقْبَلْ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ السَّمَاحَةِ وَذَلِكَ يَتِمُّ بِهِ.
أَمَّا الْبَيْعُ فَمُعَاوَضَةٌ فَاقْتَضَى لِلْفِعْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَشُمُّ رَيْحَانًا فَشَمَّ وَرْدًا أَوْ يَاسَمِينًا لَا يَحْنَثُ) لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا لَا سَاقَ لَهُ وَلَهُمَا سَاقٌ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي بَنَفْسَجًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهُوَ عَلَى دُهْنِهِ) اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ وَلِهَذَا يُسَمَّى بَائِعُهُ بَائِعُ الْبَنَفْسَجِ، وَالشِّرَاءُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ، وَقِيلَ فِي عُرْفِنَا يَقَعُ عَلَى الْوَرَقِ (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الْوَرْدِ فَالْيَمِينُ عَلَى الْوَرَقِ) لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَالْعُرْفُ مُقَرِّرٌ لَهُ، وَفِي الْبَنَفْسَجِ قَاضٍ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

.كِتَابُ الْحُدُودِ:

قَالَ: الْحَدُّ هُوَ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ: الْحَدَّادُ لِلْبَوَّابِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: هُوَ الْعُقُوبَةُ الْمُقَدَّرَةُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا يُسَمَّى الْقِصَاصُ حَدًّا، لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ وَلَا التَّعْزِيرُ لِعَدَمِ التَّقْدِيرِ، وَالْمَقْصِدُ الْأَصْلِيُّ مِنْ شَرْعِهِ الِانْزِجَارُ عَمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْعِبَادُ، وَالطَّهَارَةُ لَيْسَتْ أَصْلِيَّةً فِيهِ بِدَلِيلِ شَرْعِهِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ.
قَالَ: (الزِّنَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ) وَالْمُرَادُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ وَكَذَا الْإِقْرَارُ، لِأَنَّ الصِّدْقَ فِيهِ مُرَجَّحٌ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِثُبُوتِهِ مَضَرَّةٌ وَمَعَرَّةٌ، وَالْوُصُولُ إلَى الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ مُتَعَذِّرٌ فَيُكْتَفَى بِالظَّاهِرِ.
قَالَ: (فَالْبَيِّنَةُ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الشُّهُودِ عَلَى رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ بِالزِّنَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ}وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلَّذِي قَذَفَ امْرَأَتَهُ: «ائْتِ بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِك» وَلِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعَةِ يَتَحَقَّقُ مَعْنَى السَّتْرِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَالْإِشَاعَةُ ضِدُّهُ.
(وَإِذَا شَهِدُوا يَسْأَلُهُمْ الْإِمَامُ عَنْ الزِّنَا مَا هُوَ؟ وَكَيْفَ هُوَ؟ وَأَيْنَ زَنَى؟ وَمَتَى زَنَى؟ وَبِمَنْ زَنَى؟) لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اسْتَفْسَرَ مَاعِزًا عَنْ الْكَيْفِيَّةِ وَعَنْ الْمَزْنِيَّةِ، وَلِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ عَسَاهُ غَيْرَ الْفِعْلِ فِي الْفَرْجِ عَنَاهُ أَوْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي الْمُتَقَادِمِ مِنْ الزَّمَانِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ لَا يَعْرِفُهَا هُوَ وَلَا الشُّهُودُ كَوَطْءِ جَارِيَةِ الِابْنِ فَيُسْتَقْصَى فِي ذَلِكَ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ.
(فَإِذَا بَيَّنُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: رَأَيْنَاهُ وَطِئَهَا فِي فَرْجِهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَسَأَلَ الْقَاضِي عَنْهُمْ فَعُدِّلُوا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ) وَلَمْ يَكْتَفِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ فِي الْحُدُودِ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَعْدِيلُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ نُبَيِّنُهُ فِي الشَّهَادَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ فِي الْأَصْلِ يَحْبِسُهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ لِلِاتِّهَامِ بِالْجِنَايَةِ، وَقَدْ حَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَجُلًا بِالتُّهْمَةِ، بِخِلَافِ الدُّيُونِ حَيْثُ لَا يُحْبَسُ فِيهَا قَبْلَ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ، وَسَيَأْتِيكَ الْفَرْقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الشرح:
كِتَابُ الْحُدُودِ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: «قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِلَّذِي قَذَفَ امْرَأَتَهُ: ائْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِك».
قُلْت: غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَبِمَعْنَاهُ مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْجَرْمِيِّ ثَنَا مَخْلَدٍ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ ابْنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَرَفَعَتْهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرْبَعَةُ شُهُودٍ، وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِك فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْك مَا يُبْرِئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَةَ اللِّعَانِ، وَلَاعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا»، انْتَهَى.
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّعَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ: «أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك»، الْحَدِيثَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي اللِّعَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا، أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ»، انْتَهَى.
زَادَ فِي رِوَايَةٍ: قَالَ كَلًّا وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ، إنْ كُنْت لَأُعْجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْمَعُوا إلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ، إنَّهُ لَغَيُورٌ، وَإِنِّي أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، انْتَهَى.
أَثَرٌ: رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ خَيْبَرِيٍّ، وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَقَتَلَهُ، أَوْ قَتَلَهَا فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْقَضَاءُ فِيهِ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَسَأَلَ أَبُو مُوسَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا هُوَ بِأَرْضِي، عَزَمْت عَلَيْك لَتُخْبِرَنِّي فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَتَبَ إلَيَّ فِي ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَبُو حَسَنٍ إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَالسَّتْرُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ قُلْت: فِيهِ أَحَادِيثُ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»، انْتَهَى.
وَفِي لَفْظٍ: لِمُسْلِمٍ: فِي الْبِرِّ وَالصِّلَةِ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، انْتَهَى.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَبِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْحُدُودِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الرَّجْمِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَشْتُمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، انْتَهَى.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، غَرِيبٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ نَشِيطٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ كَثِيرٍ أَبِي الْهَيْثَمِ، مَوْلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا، كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً»، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ مَاعِزًا أَتَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ، وَقَالَ لِهَزَّالٍ: لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِك لَكَانَ خَيْرًا لَك»، انْتَهَى.
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَصَحَّحَهُ، قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَيَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَأَبُوهُ نُعَيْمٌ ذَكَرَهُ فِي الثِّقَاتِ أَيْضًا، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ صُحْبَتُهُ، فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ بْنِ كَاسِبٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْجُمَحِيُّ ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ»، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَفْسَرَ مَاعِزًا عَنْ الْكَيْفِيَّةِ وَالْمَزْنِيَّةِ.
قُلْت: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ قَالَ: كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي، فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنْ الْحَيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبِرْهُ مَا صَنَعْت، لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَك، قَالَ: فَأَتَاهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلَى آخِرِهِ، إنَّ مَاعِزًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْت، فَأَقِمْ عَلِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ حَتَّى قَالَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إنَّك قَدْ قُلْتهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَبِمَنْ؟ قَالَ: بِفُلَانَةَ، قَالَ: هَلْ ضَاجَعْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ بَاشَرْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ جَامَعْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ، فَأُخْرِجَ إلَى الْحَرَّةِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ، خَرَجَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٌ، وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ، فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ، فَرَمَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ»؟ انْتَهَى.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَرَوَى حَدِيثَ مَاعِزٍ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ فِيهِ: فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ فَرُجِمَ، فَلَمْ يُقْتَلْ حَتَّى رَمَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِلِحَى بَعِيرٍ، فَقَتَلَهُ فَأَصَابَ رَأْسَهُ، الْحَدِيثَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: فِي الِاسْتِفْسَارِ عَنْ الْكَيْفِيَّةِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الصَّامِتِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «جَاءَ الْأَسْلَمِيُّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حَرَامًا، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ، فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ، فَقَالَ: أَنِكْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْك، فِي ذَلِكَ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْت مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ حَلَالًا، قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اُنْظُرْ إلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُمَا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ فَقَالَا: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ، قَالَا: وَمَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا»، انْتَهَى.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هَضَّاضٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْهَضَّاضِ ابْنِ أَخِي أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ هُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الصَّامِتِ، وَقَالَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْهَضَّاضِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الصَّامِتِ: لَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ابْنُ الْهَضَّاضِ أَصَحُّ انْتَهَى كَلَامُهُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ».
قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَمِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ: فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهَا مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ»، انْتَهَى.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ أَصَحُّ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ يَزِيدَ بِهِ مَوْقُوفًا، انْتَهَى.
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، فَقَالَ: يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ فِيهِ النَّسَائِيّ: مَتْرُوكٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ الْكَبِيرِ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ: يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ذَاهِبٌ، انْتَهَى.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنَيْهِمَا مَرْفُوعًا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمَوْقُوفُ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ: فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُخْتَارٍ التَّمَّارِ عَنْ أَبِي مَطَرٍ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ»، انْتَهَى.
وَمُخْتَارٌ التَّمَّارُ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إسْرَائِيلَ ثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، انْتَهَى.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ ثَنَا وَكِيعٌ بِهِ مَرْفُوعًا: «ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا»، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: رُوِيَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ رَجُلًا بِالتُّهْمَةِ».
قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَمِنْ حَدِيثِ نُبَيْشَةَ.
فَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْقَضَاءِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الدِّيَاتِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي السَّرِقَةِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ»، زَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ، انْتَهَى.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، قَالَ: وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَيَأْتِي بَعْدُ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ الْوَهَمُ وَالْإِيهَامُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، فَحَكَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَيْخٌ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ.
وَعَنْ أَبِي زُرْعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: صَالِحٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ، وَجَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي أَقْسَامِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَقَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَبَهْزٌ ثِقَةٌ عِنْدَ مَنْ عَلِمَهُ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ الْجَارُودِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ رِوَايَتَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: رَوَى عَنْهُ ثِقَاتُ النَّاسِ: كَالزُّهْرِيِّ، وَرُوِيَ عَنْهُ حَدِيثَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا، وَأَرْجُو أَنَّهُ إذَا حَدَّثَ عَنْهُ ثِقَةٌ، فَلَا بَأْسَ بِحَدِيثِهِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ السَّبْتِيُّ: إسْنَادُ بَهْزٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ صَحِيحٌ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: سَأَلْت ابْنَ مَعِينٍ، هَلْ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ بَهْزٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَوَى عَنْهُ حَدِيثَ: أَتَرْعَوْنَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ، وَقَدْ كَانَ شُعْبَةُ مُتَوَقِّفًا عَنْهُ، فَلَمَّا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ كَتَبَهُ، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا اتَّهَمَهُ بِهِ قُلْت: فَكَمْ لَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ؟ قَالَ: أَحَادِيثُ، قُلْت لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: مَا تَقُولُ فِي بَهْزٍ؟ قَالَ: سَأَلْت غُنْدَرًا عَنْهُ، فَقَالَ: كَانَ شُعْبَةُ مَسَّهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَعْنَاهُ، فَكَتَبْت عَنْهُ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو يَعْلَى عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ خُثَيْمِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً اسْتِظْهَارًا، أَوْ احْتِيَاطًا»، انْتَهَى.
سَكَتَ الْحَاكِمُ عَنْهُ وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، فَقَالَ: إبْرَاهِيمُ بْنُ خُثَيْمِ مَتْرُوكٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ الْكَبِيرِ: كَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ خُثَيْمِ كَالْمَجْنُونِ، يَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ، وَضَعَّفَهُ جِدًّا. انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ: فَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابَيْهِمَا عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ زَكَرِيَّا الْوَاسِطِيِّ ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ»، انْتَهَى.
قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: إبْرَاهِيمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْوَاسِطِيُّ مَجْهُولٌ، وَحَدِيثُهُ خَطَأٌ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هَذَا بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ: إبْرَاهِيمُ بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ: رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْوَاسِطِيُّ، وَهُوَ يَرْوِي أَشْيَاءَ مَوْضُوعَةً، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَهُوَ مِمَّا يَتَفَرَّدُ بِهِ مَعْمَرٌ. انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ نُبَيْشَةَ: فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْوَسَطِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ ذَكْوَانَ الْبَصْرِيُّ ثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَازِمِيُّ عَنْ الْمُعَلَّى بْنِ رَاشِدٍ عَنْ جَدَّتِهِ عَنْ نُبَيْشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ»، انْتَهَى.
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ إلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «أَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي غِفَارٍ حَتَّى نَزَلَا مَنْزِلًا بِضَجَنَانَ، مِنْ مِيَاهِ الْمَدِينَةِ، وَعِنْدَهُمَا نَاسٌ مِنْ غَطَفَانَ، مَعَهُمْ ظَهْرٌ لَهُمْ، فَأَصْبَحَ الْغَطَفَانِيُّونَ، وَقَدْ فَقَدُوا بَعِيرَيْنِ مِنْ إبِلِهِمْ، فَاتَّهَمُوا الْغِفَارِيِّينَ، فَأَتَوْا بِهِمْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَهُمْ، فَحَبَسَ أَحَدَ الْغِفَارِيِّينَ، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبْ فَالْتَمِسْ، فَلَمْ يَكُ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ بِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدِ الْغِفَارِيِّينَ حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ لِلْمَحْبُوسِ: اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَلَك، وَقَتَلَك فِي سَبِيلِهِ، قَالَ: فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ»، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ فِي الْبَابِ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ بَقِيَّةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ قَوْمًا سُرِقَ لَهُمْ مَتَاعٌ، فَاتَّهَمُوا أُنَاسًا مِنْ الْحَاكَّةِ، فَأَتَوْا النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، صَاحِبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَبَسَهُمْ أَيَّامًا، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَأَتَوْا النُّعْمَانَ، فَقَالُوا: خَلَّيْت سَبِيلَهُمْ بِغَيْرِ ضَرْبٍ، وَلَا امْتِحَانٍ، فَقَالَ النُّعْمَانُ إنْ شِئْتُمْ ضَرَبْتهمْ، فَإِنْ خَرَجَ مَتَاعُكُمْ فَذَاكَ، وَإِلَّا أَخَذْت مِنْ ظُهُورِكُمْ مِثْلَهُ، فَقَالُوا: هَذَا حُكْمُك؟ قَالَ: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ، وَحُكْمُ رَسُولِهِ» انْتَهَى.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ: أَحْسَنُ حَدِيثِ بَقِيَّةَ مَا كَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، انْتَهَى.
قَالَ: (وَالْإِقْرَارُ) (أَنْ يُقِرَّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ عَنْ مَجَالِسِ الْمُقِرِّ كُلَّمَا أَقَرَّ رَدَّهُ الْقَاضِي) فَاشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ، لِأَنَّ قَوْلَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، أَوْ هُوَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ، وَاشْتِرَاطُ الْأَرْبَعِ مَذْهَبُنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُكْتَفَى بِالْإِقْرَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْحُقُوقِ وَهَذَا لِأَنَّهُ مُظْهِرٌ، وَتَكْرَارُ الْإِقْرَارِ لَا يُفِيدُ زِيَادَةَ الظُّهُورِ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ.
وَلَنَا حَدِيثُ مَاعِزٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَّرَ الْإِقَامَةَ إلَى أَنْ تَمَّ الْإِقْرَارُ مِنْهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ، فَلَوْ ظَهَرَ بِمَا دُونَهَا لَمَا أَخَّرَهَا لِثُبُوتِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ اُخْتُصَّتْ فِيهِ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ فَكَذَا الْإِقْرَارُ إعْظَامًا لِأَمْرِ الزِّنَا وَتَحْقِيقًا لِمَعْنَى السَّتْرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَجَالِسِ لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ لِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ أَثَرًا فِي جَمْعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ، فَعِنْدَهُ يَتَحَقَّقُ شُبْهَةُ الِاتِّحَادِ فِي الْإِقْرَارِ، وَالْإِقْرَارُ قَائِمٌ بِالْمُقِرِّ فَيُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ مَجْلِسِهِ دُونَ مَجْلِسِ الْقَاضِي.
وَالِاخْتِلَافُ بِأَنْ يَرُدَّهُ الْقَاضِي كُلَّمَا أَقَرَّ فَيَذْهَبَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ ثُمَّ يَجِيءُ فَيُقِرُّ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طَرَدَ مَاعِزًا فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَتَّى تَوَارَى بِحِيطَانِ الْمَدِينَةِ.
الشرح:
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَّرَ إقَامَةَ الْحَدِّ، إلَى أَنْ تَمَّ الْإِقْرَارُ مِنْهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قُلْت: أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَبْكِ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ أُحْصِنْت؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ»، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: رَأَيْت مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ جِيءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَعْضَلُ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَلَعَلَّك كَذَا؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ، إنَّهُ قَدْ زَنَى، قَالَ: فَرَجَمَهُ، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: أَلَا كُلَّمَا نَفَرْنَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَخَلَّفَ أَحَدُهُمْ، لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ، يَمْنَحُ إحْدَاهُنَّ الْكُثْبَةَ، أَمَا وَاَللَّهِ إنْ يُمَكِّنِّي مِنْ أَحَدِهِمْ لَأُنَكِّلَنَّهُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْك؟ قَالَ: وَمَا بَلَغَك عَنِّي؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّك فَجَرْت بِأَمَةِ آلِ فُلَانٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَدَّهُ حَتَّى شَهِدَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهِ»، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: «كُنْت جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْت، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ارْجِعْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَاهُ أَيْضًا فَاعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِالزِّنَا، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ، ثُمَّ عَادَ الثَّالِثَةَ، فَاعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِالزِّنَا، ثُمَّ رَجَعَ الرَّابِعَةَ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحُفِرَ لَهُ حُفْرَةٌ فَجُعِلَ فِيهَا إلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهُ».
قَالَ بُرَيْدَةَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَصْحَابَ نَبِيِّ اللَّهِ أَنَّ مَاعِزًا لَوْ جَلَسَ فِي رَحْلِهِ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَطْلُبْهُ، وَإِنَّمَا رَجَمَهُ عِنْدَ الرَّابِعَةِ، انْتَهَى.
وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ فِيهِ: قَالَ: كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْغَامِدِيَّةَ، وَمَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ لَوْ رَجَعَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِمَا لَمْ يَطْلُبْهُمَا، وَإِنَّمَا رَجَمَهُمَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ. انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ اعْتَرَفَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلْ أُحْصِنْت؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ»، زَادَ الْبُخَارِيُّ: فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ، انْتَهَى.
أَخْرَجَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَامِدِيَّةِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ فِي حِجْرِ أَبِي، فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنْ الْحَيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْت، لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَك، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجٌ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْت فَأَقِمْ عَلِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، إلَى أَنْ أَتَاهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ لَهُ: إنَّك قَدْ قُلْتهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَبِمَنْ؟ قَالَ: بِفُلَانَةَ، قَالَ: هَلْ ضَاجَعْتهَا، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ بَاشَرْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ جَامَعَتْهَا؟ قَالَ نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ، فَخَرَجَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٌ، فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ، فَقَتَلَهُ، وَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، انْتَهَى.
وَزَادَ فِيهِ أَحْمَدُ: قَالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ حِينَ رَآهُ: وَاَللَّهِ يَا هَزَّالُ لَوْ كُنْت سَتَرْته بِثَوْبِك لَكَانَ خَيْرًا لَك مِمَّا صَنَعْت بِهِ، قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: إسْنَادُهُ صَالِحٌ، وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قَبْلِ حِفْظِهِ، وَيَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ذَكَرَهُ فِي الثِّقَاتِ أَيْضًا، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ صُحْبَتُهُ، فَآخِرُ هَذَا الْحَدِيثِ مُرْسَلٌ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُغِيرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمِقْدَامِ عَنْ ابْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إنَّهُ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ ثَنَّى، ثُمَّ ثَلَّثَ، ثُمَّ رَبَّعَ، فَأَمَرَنَا فَحَفَرْنَا لَهُ، فَرُجِمَ»، انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَحَجَّاجٌ فِيهِ كَلَامٌ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ الطَّائِفِيُّ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَرَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمِقْدَامِ بْنُ الْمُوَرِّدِ طَائِفِيٌّ أَيْضًا، لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِجَرْحٍ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدَيْهِمَا، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدِيثُ وَكِيعٍ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: «أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَرَفَ، وَأَنَا عِنْدَهُ مَرَّةً، فَرَدَّهُ، ثُمَّ جَاءَ فَاعْتَرَفَ عِنْدَهُ الثَّانِيَةَ، فَرَدَّهُ، ثُمَّ جَاءَ، فَاعْتَرَفَ عِنْدَهُ الثَّالِثَةَ، فَرَدَّهُ، قَالَ: فَقُلْت لَهُ: إنْ اعْتَرَفْت الرَّابِعَةَ رَجَمَك، قَالَ: فَاعْتَرَفَ الرَّابِعَةَ فَحَبَسَهُ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: لَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ»، انْتَهَى.
أَحَادِيثُ الْخُصُومِ:
فِيهِ حَدِيثُ الْعَسِيفِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: «إنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُك اللَّهَ إلَّا قَضَيْت لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ الْآخَرُ، وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ قَالَ: إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْت أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْك، وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسٌ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ»، انْتَهَى.
وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً، وَغَرَّبَهُ عَامًا، قَالُوا: فَعَلَّقَ رَجْمَهَا بِاعْتِرَافِهَا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْأَرْبَعَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: وَهُوَ حَدِيثُ الْغَامِدِيَّةِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُرَيْدَةَ فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ، قَالَ: «أَتَتْ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنْ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي، قَالَ: وَيْحَكِ ارْجِعِي، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي، قَالَتْ: أَتُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنِي، كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ، قَالَتْ: إنِّي حُبْلَى مِنْ الزِّنَا، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِك، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةُ، قَالَ: إذًا لَا نَرْجُمُهَا، وَنَدْعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إلَيَّ رَضَاعَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَرَجَمَهَا»، انْتَهَى.
قَالُوا: وَلَيْسَ فِيهِ إقْرَارُهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، قَالُوا: وَإِنَّمَا رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ظَنَّ أَنَّ فِي عَقْلِهِ شَيْئًا، لَا لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، قَالُوا: وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَصِيرٍ أَشْعَثَ ذِي عَضَلَاتٍ، عَلَيْهِ إزَارٌ، وَقَدْ زَنَى، فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ»، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِالزِّنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالُوا: وَهَذَا يُضْعِفُ الْقَوْلَ بِاشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِ.
وَالْجَوَابُ: أَمَّا حَدِيثُ الْعَسِيفِ، فَمَعْنَاهُ: وَاغْدُ يَا أُنَيْسٌ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ، الِاعْتِرَافَ الْمَعْهُودَ بِالتَّرَدُّدِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا حَدِيثُ الْغَامِدِيَّةِ: فَالرَّاوِي قَدْ يَخْتَصِرُ الْحَدِيثَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الذِّكْرِ عَدَمُ الْوُقُوعِ، وَأَيْضًا فَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ رَدَّهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ سُلَيْمٍ ثَنَا شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ أَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ يَرُدُّهَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي، الْحَدِيثَ، وَيُرَاجَعُ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَدَّ مَاعِزًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ بِعَقْلِهِ شَيْئًا، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ عَنْ عَقْلِهِ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ الرَّابِعَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثِ جَابِرٍ الْمُخَرَّجَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَلَوْ كَانَ تَكْرَارُ الْأَرْبَعَةِ إنَّمَا هُوَ لِاخْتِبَارِ عَقْلِهِ، لَمَا كَانَ فِي السُّؤَالِ عَنْهُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ فَائِدَةٌ وَكَيْفَ وَقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ أَنْ أُخْبِرَ بِعَقْلِهِ، كَمَا أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: «أَنَّ مَاعِزًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ مِنْ الْغَدِ، فَرَدَّهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى قَوْمِهِ، هَلْ تَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا؟ فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إلَّا وَفِي الْعَقْلِ، مِنْ صَالِحِينَا، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ أَيْضًا، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً وَرَجَمَهُ»، مُخْتَصَرٌ.
فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَرْبَعَةَ مُعْتَبَرَةٌ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد فِي حَدِيثِ هَزَّالٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ لِمَاعِزٍ: إنَّك قَدْ قُلْتهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّك شَهِدْت عَلَى نَفْسِك أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: أَلَيْسَ أَنَّك قَدْ قُلْتهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؟ فَرَتَّبَ الرَّجْمَ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ قَالَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: إنْ اعْتَرَفَتْ الرَّابِعَةَ رَجَمَك، وَهَذَا أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِ، لَوْلَا أَنَّ فِي إسْنَادِهِ جَابِرًا الْجُعْفِيَّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ رَدَّهُ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ رَدَّهُ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ مَرَّتَيْنِ، وَاخْتَصَرَ الرَّاوِي مِنْهَا مَرَّتَيْنِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ فَاعْتَرَفَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ، ثُمَّ قَالَ رُدُّوهُ، فَاعْتَرَفَ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى اعْتَرَفَ أَرْبَعًا، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ، فَارْجُمُوه»، انْتَهَى.
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمَرَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الصَّحِيحِ هُمَا مِنْ الْأَرْبَعِ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الثَّلَاثِ، أَيْ مَعَهَا رَابِعَةٌ، وَتَتَّفِقُ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَرَدَ مَاعِزًا فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَتَّى تَوَارَى عَلَيْهِ بِحِيطَانِ الْمَدِينَةِ قُلْت: غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَبِمَعْنَاهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ الْأَبْعَدَ زَنَى، فَقَالَ لَهُ: وَيْلَك، وَمَا يُدْرِيكَ مَا الزِّنَا؟ فَأَمَرَ بِهِ، فَطُرِدَ وَأُخْرِجَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِهِ فَطُرِدَ، وَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَطُرِدَ، وَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَتَاهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: أَدْخَلْت وَأَخْرَجْت؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ»، مُخْتَصَرٌ.
قَالَ: (فَإِذَا تَمَّ إقْرَارُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ سَأَلَهُ عَنْ الزِّنَا مَا هُوَ وَكَيْفَ هُوَ وَأَيْنَ زَنَى وَبِمَنْ زَنَى؟ فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْحَدُّ) لِتَمَامِ الْحُجَّةِ، وَمَعْنَى السُّؤَالِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَيَّنَّاهُ فِي الشَّهَادَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ السُّؤَالَ فِيهِ عَنْ الزَّمَانِ، وَذَكَرَهُ فِي الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ تَقَادُمَ الْعَهْدِ يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ دُونَ الْإِقْرَارِ، وَقِيلَ لَوْ سَأَلَهُ كَانَ أَفْضَلَ لِجَوَازِ أَنَّهُ زَنَى فِي صِبَاهُ.
(فَإِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ عَنْ إقْرَارِهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ أَوْ فِي وَسَطِهِ قَبِلَ رُجُوعَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِأَنَّهُ وَجَبَ الْحَدُّ بِإِقْرَارِهِ، فَلَا يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ وَإِنْكَارِهِ كَمَا إذَا وَجَبَ بِالشَّهَادَةِ وَصَارَ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ.
وَلَنَا أَنَّ الرُّجُوعَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ كَالْإِقْرَارِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُكَذِّبُهُ فِيهِ، فَتَتَحَقَّقُ الشُّبْهَةُ فِي الْإِقْرَارِ، بِخِلَافِ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْقِصَاصُ، وَحَدُّ الْقَذْفِ لِوُجُودِ مَنْ يُكَذِّبُهُ وَلَا كَذَلِكَ مَا هُوَ خَالِصُ حَقِّ الشَّرْعِ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُلَقِّنَ الْمُقِرَّ الرُّجُوعَ فَيَقُولَ لَهُ لَعَلَّك لَمَسْت أَوْ قَبَّلْت) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَاعِزٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَعَلَّك لَمَسْتهَا أَوْ قَبَّلْتهَا» قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ الْإِمَامُ لَعَلَّك تَزَوَّجْتهَا أَوْ وَطِئْتهَا بِشُبْهَةٍ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الشرح:
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَاعِزٍ: «لَعَلَّك مَسَسْتَهَا، أَوْ قَبَّلْتهَا؟».
قُلْت: رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْعَدَنِيِّ ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ مَاعِزًا أَتَى إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ: إنِّي أَصَبْت فَاحِشَةً، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ لَك، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: لَعَلَّك قَبَّلْتهَا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَمَسَسْتهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَفَعَلْت بِهَا كَذَا، أَوْ لَمْ تَكُنْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ»، انْتَهَى.
وَسَكَتَ عَنْهُ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فَقَالَ: وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ضَعَّفُوهُ، انْتَهَى.
وَالْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: لَعَلَّك قَبَّلْت، أَوْ غَمَزْت، أَوْ نَظَرْت؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَنِكْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ. انْتَهَى.
وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ: لَعَلَّك قَبَّلْت، أَوْ لَمَسْت، أَوْ نَظَرْت، الْحَدِيثَ.